محمد عبد الله دراز
112
دستور الأخلاق في القرآن
الفردي ، والواقع أنّه من المستحيل عند بلوغ درجة معينة أن نسن قانونا يفرض باعتباره ضرورة على كلّ الضّمائر ، فلما ذا أضحي باقتناعي من أجل اقتناعك ؟ . إنّ من الضّروري إذن أن نلجأ إلى سلطة عليا لحسم الخلاف ؛ ولن يكون الحل بكلّ تأكيد أن نعترف بهذه السّلطة للمجتمع ، إذ كان الأمر أمر أخلاقية [ Moralite ? ] ، لا أمر شرعية [ Legalite ? ] . وهنا نلمح الدّافع السّليم الّذي حدا بكانت أن يلتمس هذا التّشريع من سلطة أعلى ، تتوفر لها صفتا : الأخلاقية والشّمول ، وأعتقد أنّه واجدها في العقل نفسه ، في صورته الأكثر صفاء وتجريدا ، والّذي يحكم جميع الأشياء بقانون عدم التّناقض La loi de la non - contradiction ، ولسوف تتاح لنا الفرصة لنلاحظ إفلاس مثل هذا المعيار « 1 » . ونلاحظ أنّ ( كانت ) نفسه يعترف بعجز نقده عن تحديد الواجبات الإنسانية بخاصة ، وهي الواجبات الّتي يعد تقسيمها من مهمة نظام العلم ، لا من مهمة نظام نقد العقل بعامة ، فإنّ هذا النّظام لا يستتبع أي رجوع إلى الفطرة الإنسانية « 2 » . وإذن ، فالناس محتاجون على وجه التّحديد إلى قاعدة صالحة للتطبيق على فطرتهم ؛ ويستطيع كلّ منهم في الحالات السّهلة أن يجد تلك القاعدة مسجلة بصورة ما في ضميره : أي أنّ الشّخص لا يحتاج إلى ذلك الكيان الشّكلي المجرد ، وهو إن احتاج إليه فإنّ هذه الفكرة الفارغة لا تفيدنا شيئا محددا . لا بد إذن من أن نتوجه وجهة أخرى ، فأين نفتش عن ذلكم النّور البديع لنهدي
--> ( 1 ) انظر فيما بعد : المبحثين الثّاني ، والثّالث . ( 2 ) انظر : 1 - Kant , Crit . de la R . part , pre ? face , p . 6 .